علي بن أحمد المهائمي
217
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
عضو ( حتى خرج الري من أظفاري ) التي هي أطراف أعضائي ، ( ثم أعطيت فضلي عمر ) أي : فضل ما بقي في إنائي ( قيل : ما أولته يا رسول اللّه ، قال : العلم ) ؛ فهو ارتواؤه عليه السّلام من العلم ، وسريان نوره في كل عضو منه ، وقد أعطى من فضل ذلك العلم ، وبقيته عمر رضي اللّه عنه ؛ ولذلك قال فيه ابن عباس يوم مات : « اليوم مات تسعة أعشار العلم » « 1 » . فالحاصل أنه عليه السّلام مع كمال حاله عبره ، ( وما تركه لبنا على صورة ما رآه ؛ لعلمه بموطن الرؤيا ) وإن كانت رؤيا أكمل الخلائق ، ( وما يقتضيه من التعبير ) أي : ولعلمه بمقتضى الرؤيا من التعبير بحسب الحالة الغالبة عليه . ثم أشار إلى أن بقي بن مخلد كيف لم يجعل صورته عليه السّلام ، وصورة ما يرى في ذلك المنام من عالم المثال ، ( وقد علم أن صورة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التي شاهدها الحس إنها ) بالكسر ، وهي مع الجملة خبر أن ( في المدينة مدفونة ) لم تخرج وقت الرؤيا عن القبر ، ( وأن ) بفتح الهمزة ( صورة روحه ولطيفته ) أي : قبله ( ما شاهدها أحد من أحد ) غيره ( ولا من نفسه ) ولا يختص ذلك بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لفضل لطافته ، بل ( كل روح بهذه المثابة ) ؛ لأنها مجردة في مجردات لا تصير محسوسة ، وإذا لم يكن المرائي في المنام جسمه ولا روحه ولا قلبه ( فتجسد ) أي : يتمثل له أي : المرئي ( روح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) في المنام ( بصورة جسده ) صورة تامة المطابقة ( كما مات عليه ) ، لا كما كان عليه حال الشباب أو الطفولية ، ( لا يخرم ) أي : لا ينقص منه أي : من ( المرئي ) في المنام ( شيء ) من الصورة التي مات عليها صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( فهو ) أي : الظاهر في المنام بأنه النبي ( محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المرئي من حيث روحه في صورة ) جسدية أي : مثالية ( تشبه ) الصورة ( المدفونة ) له صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ لو كان المرئي غيره لم يصدق في حقه ؛ فقد رآني ، ولا يمكن من حيث جسده لما مر ، ولا من حيث قلبه ؛ لأنه تابع لروحه فلا تمكن رؤيته بدونه ، ولا منه حيث نفسه لفنائها ، ولو لم تشبه المدفونة لم تصدق عليه رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يؤمن فيها من تلبيس الشيطان ، بخلاف ما إذا كانت مشابهة للمدفونة ؛ فإنه ( لا يمكن للشيطان أن يتصور بصورة جسده صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ عصمة من اللّه في حق الرائي ) لئلا يضله الشيطان بصورة الهادي بحيث لا يمكن التميز بينهما . [ ولهذا من رآه بهذه الصّورة يأخذ منه جميع ما يأمره به ، وينهاه عنه أو يخبره كما كان يأخذ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحياة الدّنيا من الأحكام على حسب ما يكون منه اللّفظ الدالّ عليه من نصّ أو ظاهر أو مجمل أو ما كان ، فإن أعطاه شيئا ؛ فإنّ ذلك الشّيء
--> ( 1 ) رواه الدارمي ( 1 / 112 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 9 / 162 ) .